أدت أحداث «كرينك» بولاية غرب دارفور، لسقوط عشرات القتلى والمصابين، فيما تباينت الروايات حول الأسباب والمتورطين في الأحداث، ولا تبدو إمكانية إيجاد حل جذري واضحة حالياً.

التغيير: علاء الدين موسى

«أم آدم» السيدة الخمسينية، واحدة من آلاف الأمهات اللائي اكتوين بنيران حرب دارفور، لكنها لم تكن تحسب أن الثالث والعشرين من رمضان سيكون يوماً كارثياً، ويُعيد لذاكرتها شريط مقتل أربعة من أبنائها في الصراع المسلح الدائر بالإقليم، فقد أعاد تجدّد اشتباكات منطقة كرينك بغرب دارفور صباح الأحد، إلى أم آدم الحزن القديم، بعد أن ظنت أنها ستكون بخير عقب توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان، ووصول القوات الحكومية، لكن خاب ظنها حين نفّذت مليشيا مسلحة غارتها عليهم، وأعملت آلة القتل بوحشية لم تراعِ حرمة الشهر العظيم.

«أم آدم» وغيرها من الأسر وجدت نفسها ضحية لصراع لا يد لها فيه، غير أنها مواطنة تبحث عن حياة كريمة لأبنائها بعد أن فقدت زوجها في حرب دارفور التي خلّفت آلاف الضحايا، وأصبحت أحلامها البسيطة غير قابلة للتحقّق في منطقة يموت فيها المئات سنوياً بسبب صراعات متجذرة بين مكونات أهلية، بجانب هجمات المليشيات المسلحة المتكررة.

كرينك

أصل القصة

تفاقمت الأوضاع في محلية كرينك «80 كيلومتراً شرقي مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور» منذ يوم الجمعة الماضي، وتوالى الانفلات الأمني وسقوط المزيد من الضحايا.

وبحسب شهود عيان، فإن أصل الحادثة يعود إلى هجوم شخصين يقودان دراجة نارية على رعاة وقتلهما لشخصين، يوم الجمعة، مما دفع أهل المجني عليهما للبحث عن الثأر لقتلاهم داخل مدينة كرينك، وعند وصولهم إلى رئاسة المحلية قابلهم المدير التنفيذي وطالبهم بضبط النفس ووعدهم باستنفار لجنة أمن المحلية لمعرفة الجناة والقبض عليهم، إلا أن المليشيا قامت بالهجوم على المنطقة، مما أسفر عنه مقتل ثمانية وإصابة ستة عشر في اليوم الأول.

وفي صباح يوم الأحد، شنت المليشيات هجوماً كبيراً على مواطني كرينك بعد انسحاب القوات المسلحة والاحتياطي المركزي من مواقعهما، واستباحت المواطنين الأبرياء العزل.

وأفاد ناشطون من المنطقة بأن عدد الضحايا بلغ «201» قتيلاً وقتيلة و«98» جريحاً.

كرينك

أسباب معلومة

وقالت هيئة محامي دارفور، إن الهجمات المتكرّرة التي تشنها المليشيات في مناطق متفرقة من غرب دارفور تتم بتخطيط وقيادة مليشيا الدعم السريع ومليشيات «الجنجويد» لتنفيذ سياستها المكشوفة.

وأوضحت الهيئة في بيان، أن الهجمات المتواصلة أسبابها معلومة للجميع وتأتي ضمن سياسات الأرض المحروقة وتهجير السكان الأصليين كامتداد طبيعي لسياسات الدولة في تغيير الهوية الأفريقية ونهب موارد وثروات الولاية التي اتفق حولها الدعم السريع وما يسمى بحركات اتفاق سلام جوبا مع دولة روسيا بواسطة شركات التنقيب وتعدين الموارد الروسية- حسب البيان.

خارج السيطرة

ووفقاً للمعلومات تجدّد الاقتتال بين مكونين قبيليين بمدينة الجنية عاصمة غرب دارفور، وشكا مسؤول رفيع بالولاية من تجاهل السلطات المركزية بالخرطوم طلبهم تزويدها بآليات عسكرية حديثه لوقف تمدد النزاعات القبيلة التي تتجدّد بين الحين والآخر.

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر، عاد الوضع في دارفور إلى ما كان عليه، بعد هدوء نسبي، ووقعت اشتباكات دامية راح ضحيتها «250» شخصاً في العاشر من ديسمبر الماضي، وبحلول الثلاثين من الشهر نفسه كان الانفلات الأمني يسيطر على أنحاء الإقليم، إذ نهبت مجموعات مسلحة مخازن تابعة لبرنامج الأغذية العالمي بمدينة الفاشر شمالي دارفور «1900 طن من المواد الغذائية مخصصة لمعسكرات اللاجئين» مما دفع السلطات لحظر تجوال.

أحداث كرينك

وفي يناير تعرّض مقر البعثة الأممية بدارفور لعمليات سرقة ونهب شملت الاستيلاء على أكثر من «100» سيارة استولت عليها مجموعات مسلحة بالإقليم قبل توزيعها.

وفي مطلع فبراير أطلق مسلحون النار على قوات الأمن ليسرقوا مرة أخرى مقر البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي «يوناميد» وسط زيادة وتيرة الانفلات الأمني.

وأرسلت السلطات المركزية طائرة حربية لحسم التفلتات الأمنية التي تشهدها منطقة كرينك.

وأكد ممثل والي غرب دارفور محمد زكريا، استقرار الأوضاع الأمنية بالمحلية بعد الأحداث الدامية، وأعلن وصول طائرة حربية قادمة من القيادة العسكرية بالخرطوم لحسم التفلتات الأمنية.

فيما أكد شهود عيان لـ«التغيير»، استمرار الاقتتال في كرينك، وأشاروا إلى أن الوضع خارج نطاق السيطرة، ونوهوا لوجود العشرات من القتلى والجرحى.

وطالبوا السلطات بضرورة التدخل لإنقاذ الوضع وتقديم المساعدات للمواطنين المحاصرين داخل الأحياء.

وأصدر المدير التنفيذي لمحلية الجنينة عاصمة الولاية، أمراً محلياً تحوطاً لتداعيات أحداث كرينك، وقرّر إغلاق السوق الرئيسي وكافة الأسواق الفرعية بمدينة الجنينة من السادسة مساء الأحد وحتى إشعار آخر، وقال إن كل من يخالف القرار سيعرض نفسه للسجن ثلاثة أشهر والغرامة «200» ألف جنيه.

الاستيلاء على الأرض

ووصف الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين آدم رجال، الصراع الذي تشهده منطقة كرينك بأنه امتداد للصراع في دارفور.

وقال لـ«التغيير»، إن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب مستمرة في دارفور، وأن الحل النهائي للإبادة بالاستيلاء على أراضي النازحين واللاجئين والضحايا.

واتفق الناشط في حقوق الإنسان كمال الزين مع رجال فيما ذهب إليه وقال إن القتل الذي يدور في المنطقة بحجة غير مقنعة وإنما الغرض هو تشريد المواطنين للاستيلاء على الأرض.

واتهم الزين، الحكومة بالتواطؤ في الأحداث، وقال: «لا يمكن أن تكون هنالك مروحيات تحلق في سما المدينة والمليشيات تواصل انتهاكاتها دون السيطرة عليها وهذا تواطؤ 100%».

وأضاف الزين لـ«التغيير»، إن السلطة الانقلابية ليست لديها المقدرة على حماية المواطن وترمي في أهدافها لاستخراج الموارد بشراء الذمم والقبضة الأمنية.

وطالب المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لحماية المواطنين وإنقاذ حياة المدنيين الأبرياء العزل الذين عجزت حكومة الولاية والمركز عن حمايتهم.

فيما اعتبر آدم رجال، أن السودان يعيش في عهد «اللا دولة» خاصةً وأن المواطنين في إقليم دارفور يعيشون حالة من عدم الأمن.

ووصف قادة الدولة بالمجرمين والشلليات تجمعهم مصالح شخصية وليست لديهم رؤية لإدارة الدولة ولحفظ الأمن للمواطنين في دارفور.

وقال إن الحل في اسقاط الحكومة الانقلابية واستعادة الحكم المدني.

وطالب رجال المجتمع الدولي بإرسال قوة دولية عاجلة لحماية الضحايا في دارفور والمساعدة في عملية الاستقرار بالإقليم.

كرينك

شائعات وحقائق مغلوطة

فيما وصف الباحث المختص في شؤون دارفور عبد الله آدم خاطر، ما يجرى في كرينك بأنه أحداث محزنة ومؤسفة، وقال إن المنطقة مشتعلة منذ الصباح ولا توجد قوة تعمل على وقف نزيف الدماء.

واتهم خاطر جهة- لم يسمها- بأن لديها قوة أكبر لتجديد الصراع، وشبّه ما يحدث في كرينك بما جرى في جبل مون للسيطرة على أرض بها معادن.

وأوضح خاطر لـ«التغيير»، أن هنالك شائعة قوية تروّج بين المواطنين المعتدين بأن اتفاقية جوبا أعطت المعتدين أرضاً في غرب دارفور ويعملون على الاستقرار بها وإقامة نظارة وإدارات أهلية حتى ينبهوا الآخرين بأنهم يقطنون في أراضٍ ليست ملكاً لهم.

وقال: «حتى الآن هذه المسألة تبدو وكأنها إشاعات أو حقائق مغلوطة في مجتمع ليس به إعلام كافٍ ونزيه»، ونوه لعدم تدخل الدولة بشكل قوى مما يؤكد أن النزاع سيصل أقصى درجاته، «وأحياناً الدولة لا تتدخل في الزمان المناسب».

ونادى خرط بضرورة تدخل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي للسيطرة على الأحداث، وقال: «هذا هو الوقت الأنسب لتدخل حاكم الإقليم ليبرهن أن الإقليم لكل الناس، ولا يمكن أن يكون إقليم لكل الناس إلا بالاستقرار الأمني وتوفير الأمان».

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.